تهنئة بعيد ميلاد شيخ المحبة و السلام خالد عدلان بن تونس 19/11/2016
بحلول عيد ميلادك السعيد ، وبزوغ نجمك المجيد ، نرفع إلى جنابكم و شريف شخصكم أحر التهاني و أطيب الأماني ، و جميل المتمنيات بأن يقر الله عينك بنتائج أعمالك ، وثمار غرسك ، فتسعد بهبوب نسائم الأمن و الاطمئنان ، تنتشر في كل مكان ، حتى تعيش الأجيال الناشئة عصر ازدهار و سلام ، متعك الله بالصحة و العافية ، يا رافع لواء المحبة و السلام و رائد العيش المشترك فيما بين الانام
في ذكرى عيد ميلاد الشيخ خالد بن تونس تولاه الله بعنايته
الميلاد
في مدينة مستغانم ازدان فراش والديه به و بالتحديد في يوم السبت 27 محرم 1369 هجرية الموافق ل 19 نوفمبر 1949 ميلادية ، فقام بتسميته جده المبارك سيدي عدة بن تونس رضي الله عنه ، و أطلق عليه اسم محمد خالد عدلان ، فتربى و ترعرع في أحضان الزاوية الكبرى بمستغانم ، يستقي من علومها الروحية و العلمية إلى أن شاءت إرادة الله أن يخلف شيخه و والده الشيخ سيدي محمد المهدي بن تونس على رأس الطريقة العلاوية الدرقاوية الشاذلية سنة 1975 ميلادية ، أي بين نهاية القرن الرابع عشر و بداية القرن الخامس عشر من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فأسس سيره على أمرين اثنين جعلهما العمدة في طريقته : الأول تحقيق العبودية لله ، و واعتبرها اسمى غاية ينالها السالك بعد أن يخلص لله وجهته ، غير أن تلك العلاقة مع الخالق لا تؤتي ثمارها إلا بحسن العلاقة مع المخلوق و هو الأمر الثاني و يندرج تحته كل المعاملات و الأخلاق التي تحقق التعايش السلمي مع الآخر، ومع غيره من المخلوقات (كالبيئة مثلا) فهو أمر محوري لا يجب بتره من السياق العام لمقام الاحسان الذي هو الركن الثالث من مراتب الدين لذلك استنفذ الشيخ سيدي خالد كل طاقاته الجسدية و المعنوية لإبراز ثقافة السلم و جعلها حقيقة و واقعا معاشا في حياة الناس.جاب خلالها العالم بأسرة ، إذ لا يمكن بأي حال من الاحوال أن يبقى التصوف حبيس الزوايا و الجماعات المنتمية إليه ، لا يدلي بدلوه في ترقية المجتمع و تزكيته بما يتناسب ورسالته الخالدة التي دعت دوما و أبدا عبر القرون إلى تزكية الفرد و الجماعة و الذكر و الأنثى على حد سواء
و تجسيدا لذلك فتح الباب على مصراعيه لكل زوار الزاوية الكبرى بمستغانم ليس فقط لرجال التصوف بل للجمعيات المدنية و الهيئات العلمية و الجامعية ، و أهل الحل و العقد ساسة و مفكرين ، معلنا في نفس الوقت أنه حان الوقت لتشارك المرأة إلى جانب أخيها الرجل في بناء الفرد و الجماعة ، و لعل أهم حدث في هذا الشأن هو تنظيمه للمؤتمر الدولي للأنوثة تحت عنوان الكلمة للمرأة بمدينة وهران بالجزائر عام 2014
و أعمال الشيخ كثيرة من أن تحصر ، غير أننا ارتأينا أن نذكر في هذه العجالة أهم المحطات التي سنرى من خلالها كيف استطاع ان يحول الطريقة من مجال خاص بأتباعه إلى فضاء يسع كل الناس على اختلافهم ، مستحضرا في كل مناسبة قول الله تعالى في مفتتح سورة النساء : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
المجال التربوي الروحي
تذكير المريدين بما يوافق أحوالهم و تلقينهم الاوراد العامة و الخاصة و إعطاء المواثيق على ذلك ، تربية المريد على ما يوافق النهج المحمدي الخالص ، وضمان سير الطريقة روحيا كما ورثه من المشايخ قبله بدون تبديل أو تغيير ، و يتساوى في ذلك الرجل و المرأة على حد سواء
المجال العلمي
جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوجد حلقتين حلقة تذكر الله و حلقة تتعلم فسلم على الأولى و جلس مع الثانية وقال: إنما بعثت معلما. ومن هذا المنطلق حث الشيخ كل الزوايا التابعة للطريقة العلاوية منذ أن صار على رأس مشيختها ان تؤسس أقساما للدراسة و التعليم و إلا لا فائدة من وجودها، ولتحقيق ذلك قاد حركة تجديدية في إعادة بناء و تهيئ الزاوية الكبرى بمستغانم و غيرها من الزوايا في بقاع الأرض بأن أضاف إليها المرافق الضرورية لمزاولة نشاطها العلمي و التربوي وأسس للناشئة التي تدرس فيها المخيمات الصيفية في كل من الجزائر و فرنسا و المغرب ، بغرض تربيتهم على الاخلاق النبيلة موازاة مع التسلية و الترفيه. ثم شرع في تأسيس الملتقيات العلمية و الدراسية ، فكان أول ملتقى في هذا الشأن الملتقى الأول لدراسة فلسفة الشيخ العلاوي كان ذلك بمستغانم عام 1982 ثم اتبع بسلسلة من الملتقيات في نفس الموضوع في سويسرا و فرنسا و بلجيكا و هولندا و المانيا و غيرها تلك الملتقيات التي كانت النواة الأولى لملتقيات علمية أكاديمية يديرها اساتذة أكفاء عبر العالم تحت إشرافه ، اهمها ملتقيات بمختلف جامعات الجزائر و فرنسا و المغرب و كندا و اندونيسيا و اليابان و الصين وبعض دول غرب افريقيا ، بل و تطورت تلك الملتقيات إلى منتديات علمية دولية يشارك فيه نخبة من خيرة الباحثين و الاساتذة الاكاديمين تدور محاورها حول التربية و البيئة و الدين و الموسيقى و التصوف و المرأة و الشريعة و التراث اللامادي الانساني و الموروث الانساني ، و الحوار بين الثقافات و الأديان ، وإلى جانب كل هذا عمل على إحداث مؤتمرات دولية ناجحة في كل من الجزائر و المغرب و فرنسا اهمها مؤتمر من أجل إسلام السلام باليونسكو باريس 2000 و مؤتمر الانوثة بوهران الجزائر تحت عنوان الكلمة للمرأة 2014 ، و مؤتمر تكريم الشيخ العلاوي بتنظيم من اليونسيسكو كشخصية عالمية ساهمت في الحوار بين الثقافات في إطار مئوية الطريقة العلاوية التي نضمها بمستغانم سنة 2009 و حضرها ما ينيف عن خمسا و عشرين جنسية ناهيك عن الندوات و الملتقيات العلمية التي يُدعى إليها أو ينظمها بنفسه عبر العالم
الشيخ الكاتب و المؤلف
تدعيما لتلك المساعي التي أشرنا إليها أعلاه أثرى الشيخ خالد بن تونس المكتبة الأخلاقية بسلسة من الكتب و المقالات و المحاضرات ، تعتبر مرجعا هاما لمن يريد سلوك الطريق الوسطي المعتدل الذي يسلك بصاحبه إلى نهاية سعيدة ولكل باحث يريد اكتشاف الهدي المحمدي الحقيقي ، و لكثرتها نذكر منها
التصوف قلب الاسلام ، الانسان الباطني على ضوء القرآن علاج النفس ، التصوف الإرث المشترك ، عِشْ الاسلام تصوف اليوم ، بالإضافة الى كتب اشترك فيها مع كثير من الباحثين و الدارسين ، و مقالات بالعربية و الفرنسية خصوصا على أعمدة جرائد مغربية و جزائرية و فرنسية و سويسرية و هولندية و ألمانية و غيرها عبر العالم
العمل الجمعوي
نظرا لأهمية المجتمع المدني و ماله من التأثير على الفرد و الجماعة رأى الشيخ خالد بن تونس أنه لا مجال لإغفال هذا الجانب و تسخيره في العمل التربوي و الانساني و لهذا الغرض أسس الكشفية المسلمة الفرنسية وقبلها في الثمانينات أسس جمعية أحباب الاسلام ، في كل من فرنسا و بلجيكا و هولندا و ألمانية ثم جمعية أراضي أوروبا بباريس وجمعية الشيخ العلاوي للثقافة و التربية بالجزائر ، و جمعية الشيخ العلاوي لاحياء التراث الصوفي بالمغرب ، وجمعية جنة العارف المؤسسة المتوسطية للتنمية المستدامة مستغانم الجزائر ، و الجمعية العالمية العلاوية الصوفية بفرنسا و التي اصبحت لها عدة فروع في عدة دول سواء في الشمال أو في الجنوب وتفرع عن هاته الجمعيات جمعيات محلية أخرى تعمل لنفس الغرض من أجل التربية و التثقيف
ثقافة الوعي أو يقظة الضمير من خلال العيش المشترك
إن الحركة التربوية أو العلمية أو الجمعوية لا تؤتي ثمارها ما لم تخلق في باطن الانسان و ضميره وعيا و يقظة يقول الشيخ ، تجعل من الانسان بصيرا بما يراد منه و بما يريد هو، وبدون ذلك الشعور فهو أشبه بصخر جامد لا يعول عليه في خلق الحركة ، فالجمعيات التي أشرنا إليها أعلاه لم يؤسسها إلا لهاته الغاية ، وكثيرا ما ينبه المريد أو المتلقي إلى أهمية ثقافة الوعي ، و أحيانا ينعـتها باليقظة وهي في التراث النبوي أشير إليها بالفطانة و الكياسة ، ففي نظر الشيخ أن العالم الاسلامي تدهور بغياب ثقافة الوعي التي تجعل من الفرد و المجتمع حركيا و ديناميا لا يخنع إلى السكون و الانطواء و ذلك الشعور أو الوعي هو الذي يجعل الصوفي الحقيقي رجلا سخيا لا أنانيا ، بحيث ينطلق دوما من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، و يضيف الشيخ خالد بن تونس أن الصوفي لا يكون ابن وقته حتى يستفيد مجتمعه و محيطه من تجربته الروحية لتكون ملموسة في أرض الواقع بحيث يشرك الناس في ذلك السلام الباطني الذي يدعو إليه ، ما لم يصل اشعاعه الى الناس فهو مجرد دعوة ، لهذا السبب جند الشيخ خالد بن تونس كل طاقاته المادية و المعنوية للتعايش السلمي مع كل البشرية مهما اختلفت اعراقها و ديانتها و مذاهبها و ميولاتها فهي في النهاية من آدم و أدم من تراب ، و أنه لا يسع الناس إلا الحوار فيما بينهم ، من أجل ذلك دعا إلى يوم عالمي للعيش معا يذكر الانسانية بمصيرها المشترك ، فانتقل بنفسه الى مقر الامم المتحدة بنيويورك بعد أن جمع مليون أمضاء مُقَدِما طلب التماسه لتعتمد الامم المتحدة هذا اليوم ، و لا يزال يُصِر على هذا الملتمس حتى تقره الهيئة الاممية ان شاء الله ، وهنا يجدر بنا أن نذكر بجائزة الامير عبد القادر للعيش معا التي أحدثها مؤخرا تكريما لرجل السلام الامير عبد القادر الحسني لتكون اعترافا و تكريما لدعاة السلام و العيش المشترك عبر العالم ،و قد سُلمت أول جائزة هذا العام بمقر جمعية جنة العارف بمستغانم حيث كانت من نصيب ثلاث شخصيات مرموقة هي الجزائري الاخضر الابراهيمي الدبلوماسي المعروف و الإسباني فيدير يوكومايور و الكندي ريمون كرينيان
الثقافة المحمدية
وظف الشيخ خالد بن تونس مصطلح الثقافة المحمدية للدلالة على تلك الاخلاق النبوية و القيم الانسانية التي تحلى بها المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فكانت هي النور الذي أنار درب الانسانية من بعده ، و صار على هديها كل من كان له نصيب من ذلك الوعي و الضمير اليقظ ، وغياب تلك الثقافة عند المسلم تحوله إلى كائن لا يعرف الفرق بين الخير و الشر ، حتى و إن أقام الشرائع و أدى الفرائض لقوله صلى الله عليه وسلم من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعدا ، ولذلك يعمل الشيخ في كل مناسبة و محاضرة و لقاء إلى تذكيرنا بالثقافة المحمدية التي ما إن تشبع بها الفرد منا إلا و فتحت له أفاقا للانسجام مع الآخر ومع الذات
التعليقات مغلقة.