الزاوية العلاوية مستغانم – عيد الاضحى 2012
مذاكرة الشيخ سيدي خالد بمناسبة جمع عيد الأضحى المبارك لعام 1433هـ (26 أكتوبر 2012)
بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم و صلى اللهم و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم
سلام الله على الجميع فقراء و فقيرات محبين و محبات و مسلمين و مسلمات و مؤمنين و مؤمنات و كل عام و أنتم و من معكم من كبير و صغير في هذا الوطن السعيد في رحمة الله و حفظه و رعايته. جعلكم الله أمناء على كلمة التوحيد و قد اختاركم و اجتباكم و جعلكم من الذاكرين و الذاكرات فعليكم و علينا جميعا أن نثبُت و نحرص و نعمل و نسعى على أن تبقى كلمة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” خالدة في قلوبنا و عائلاتنا و بناتنا بالسلم و السلام.
” سلاح القوم عفاف و رضا”، عفاف و رضا ليس بندقية و ليس سيفا بل هو عفاف و رضا و وفاء بما عاهدنا عليه مشايخنا و وفاء بشهود الفلاح من أمة الرسول صلى الله عليه و سلم من أول أمة الرسول صلى الله عليه و سلم أي السلف الصالح الذين عاهدوا و وفوا بالعهد حتى لقوا الله مطمئنين معزّزين مستورين و التاريخ يشهد بذلك.
الكثير منكم كان معنا في العيد المبارك السابق منذ شهرين. كنتم أتيتم إلى الزاوية، و كنا تكلمنا مع الجميع و قلنا حسب علمنا و حسب معرفتنا و حسب قدرتنا أننا لم نقم بواجبنا نحو أمتنا و نحو ديننا ونحو هذه الطريق المباركة التي رزقنا الله بها والتي هي طريق السلام، طريق العز، طريق العلم، طريق التقى. واليوم وفقنا الله لهذه الملاقاة المباركة في عيد الأضحى المبارك لنجدد فيه إيماننا و محبتنا وصدقنا وعهدنا. ففي الأيام التي الفاصلة بين العيدين كان هناك عزمٌ و كانت هناك إرادة و كان هناك توفيق من الله “فإذا عزمت فتوكل على الله” لما كان المقصود منا أن نسعى في الخير و كان سعيهم سعيا مشكورا للجميع بلا تخصيص فقد قام سكان هذا الحي (يقصد حي تجديت بمستغانم) مع أبناء الزاوية ومع أبناء الطريق و بعد الحادثة الأليمة والسلبية التي داهمت هذا الحي فجعل الله منها ببركاته قياما ونهوضا وسعيا لخير الجميع. ها أنتم الآن ترون أن شارع الزاوية و حي الزاوية قد تنوّر من جديد بفضل كباره وصغاره و نسائه و أبنائه فجمَع شمله و أراد أن يبرهن لغيره أن القدرة فينا و العزم فينا والإرادة فينا إذا شئنا أن نعمل اليد باليد و القلب بالقلب و الروح بالروح لتغيير أمرنا من السلبي إلى الإيجابي من المكروه و الحرام إلى الحلال و من الشر إلى الخير؛ ففي هذه البقعة الشريفة تصالحت العائلتان في هذا المكان المبارك تلاقت العائلتان القاتل و المقتول و تصالحا، و كان من هذا الصلح خير وابتعد البلاء عنا و عنهم. لا زال هذا البيت بيتا معمورا يداوي القلوب ويداوي العيوب و يدفع بالإنسان بالتي هي أحسن إلى ما فيه الخير و الصلاح. غرسوا غرسا، أدعو أن يكون هذا الغرس إن شاء الله وبإذن الله شجرة مباركة تأتي أكلها معنويا و حسيا من نظارتها و جمالها و كأنها كانت منذ سنوات فبرزت و خرجت من الأرض كأنها كانت منذ زمان لأن هذا الكنز كان في مكان يترجى في أهله فأكرمنا الله به و ساعدنا بفضله و عنايته.
هذا المشروع الذي قام به أهل الحي مع أبناء الطريق لم يساعد فيه أحد بل المساعدة كانت أن لا يكون يعني أن لا يعارض لا سلطات و لا غيرها. لم يعارض أحد هذا المشروع لأنّ الجميع شعر بأنه مشروع خير و إعانة. يا أحبابي، نطلبها من أنفسنا كي يعطينا الله سبحانه و تعالى قوة و إرادة وعزما. إن ما عاهدنا عليه مشايخنا و أسلافنا أن نربي، أن نعلّم، أن نذكر، أن نبشّر، أن نفرّج على الجميع بلا تخصيص من كان منا أو من كان غائبا عنا. الكلّ منا، لأنّ من عرف معنى التوحيد يعرف أن التوحيد جمع الكل الشرق و الغرب، الشمال و الجنوب و جمع بني آدم كلهم. من أعطاه الله سبحانه و تعالى الحكمة و القدرة و المعرفة بمعنى التوحيد فيستطيع بإذن الله أن يجمع نفسه و غيره على توحيد الله وتوحيد مخلوقاته. فإذا كان الإنسان العاقل فكرا و تمييزا فعليه أن ينظر و أن يعتبر و إن كان لا يعنيه هذا الأمر فقد قال عليه الصلاة والسلام: ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” إن لم يساعد فعليه أن لا يعارض و يترك الأمور لأهلها. كل إنسان مسؤول عن نفسه و عن أفعاله و عمله و نيته والله سبحانه و تعالى مطلع على نيتنا و أملنا. و الشجرة تعني ذلك، لأن هذه الشجرة لنا و لغيرنا و للأجيال الآتية بعدنا. هي أمل يشير إلى أن في هذا البلد و في هذا الحي يوجد مكان يسعى أهله ليعيدوا الأمل في قلوب المؤمنين وفي قلوب أمتنا من كبارها و صغارها و نسائها و رجالها. إننا في خيرٍ و نعمة عظمى أكرمنا الله بها. علينا أن نذكر و نتذكر و نفكر و نحمد الله و نشكره على ما أعطانا حتى يكون المزيد و الحفظ معه حتى تفيض نعمته علينا حسا و معنى و يرزقنا الشعور بها و المحافظة عليها و هذا من واجب كل الذاكرين وخاصة الفقراء العلاويين. عليهم أن يكونوا مِمَّن يغرسون الأمل في قلوب الأمة و أن يساعدوا الضعفاء والمساكين منها و لا يكونوا من أهل اليأس. هذا اليأس هو كلام فارغ، وهو كلام المعرضين المفسدين بكلامهم و أخلاقهم بل يجب أن تكونوا جميعا مثالا لغيركم من أبنائكم و بناتكم و عشيرتكم ومتكم، ومثالا في كل بقعة :
” تحيا بكم كل أرض تنزلون بها كأنكم في بقاع الأرض أمطار”
نعم تحيا بكم كل أرض و تحيا بكم كل نفس و يحيا بكم كل قلب إذا كنتم من الذاكرين و لذلك، اسعوا أن تكونوا من الذاكرين ليس فقط بالظهور بالظاهر و لكن بالباطن كذلك، هذا هو معنى الدين وهذا هو معنى الإيمان، وهذا معنى الإسلام؛ أي أن يكون المسلم مسلما بقلبه و نفسه و روحه و أن يكون دائما و أبدا بأخلاقه و بكلامه ويعطي المثال لغيره. المهمّة لم تكتمل و العمل مستدام دائم فعليكم و علينا أن نجمع شملنا :
“فشمّر يا أخي عن ساق جدّك و انهض لأمره إنه محتوم”
حتما، علينا أن نقوم و نعمل و نسعى و نبني، فإن كانت لنا القدرة فالحمد لله و إن لم تكن لنا القدرة المادية فلنا القدرة الروحية المعنوية الفكرية. فمن لم يستطع أن يعمل بيديه فليعمل بقلبه، فليعمل بعقله وبتفكيره في تبديل و تغيير هذه الأحوال السلبية والأمراض التي أضرّت بالمجتمع. عليكم أن تسعوا بما في وسعكم وعلى حسب قدرتكم فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. فالعالم له دور و الذاكر له دور و التاجر له دور و المسؤول له دور و المعلم له دور و المعلمة لها دور و الفلاح له دور، كل واحد منا يحاسب نفسه ماذا فعل و بماذا نفع المجتمع الذي هو موجود فيه و غدا أمام الله سبحانه و تعالى سيرى كيف يُحاسب كل واحد عما فعل. الطريق أولها ضمير، و وسطها عمل، و إذا كانت لها نهاية فنهايتها رضا الله. إنّ رضا الله هو أن يرضى عنا و أن يرضى عن عملنا.
مرة أخرى، مبروك علينا و عليكم و على جميع الأمة الإسلامية هذا العيد المبارك، عيد الأضحى، وأدعو لإخواننا في بعض الدول المسلمة. لا ننسى أنه قُتِل اليوم في أفغانستان بعد صلاة العيد أكثر من 41 مصلي في بيت الله. هل هذا إسلام؟ هل هذا إيمان؟ كذلك إخواننا في سوريا نساء و أطفال و صغار وكبار يعانون من الفتنة التي أصابتهم. ألا يوجد في قلوب علمائهم و حكمائهم و رؤسائهم رحمة و قدرة و إرادة كي يداووا و يجمعوا و يفصلوا بالحق؟
اللهم ربّ أبعد عنا البلاء، اللهم ربّ احفظ أمتنا و بلدنا من الفتنة ومن الطغيان ومن النفاق ومن الحسد ومن البغضاء. اللهم احفظنا من عدونا الباطني الشيطاني و عدونا الخارجي الحسود الذي يريد أن يسعى لهذا البلد بالمكيدة كما سعى في دول أخرى. اللهم ربّ ارحم مشايخنا و جازهم عنا خيرا و ألحقنا بهم مسلمين مؤمنين محسنين لا مغيرين و لا مبدلين و ارحم كبارنا و صغارنا و اشف مرضانا و الضعفاء و لبؤساء منا. اللهم تولّ أمرهم و أعنهم و اسْعَ لهم و لنا في الخير و الرضا. آمين و الحمد لله رب العالمين.
قرأت و صححت من طرف سي نصر الدين موهوب































التعليقات مغلقة.