الذكرى الأربعون من وفــــاة سيدي الحاج مصطفى بوجميل 26 يناير 2019

832

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه الى يوم الدين

مذاكرة الشيخ سيدي خالد بن تونس في اربعينية الحاج مصطفى بوجميل رحمه الله

حقيقة الولاية

أيها الإخوة الأعزاء و الأخوات العزيزات ، أود أولا  أن أشكركم جميعا على حضوركم في ذكرى أربعينية أخينا في الله سيدي مصطفى بوجميل رحمه الله ،  حضوركم هنا شهادة منكم لهذا الرجل الذي أمضى جزءا كبيرا من عمره  في هذه الطريقة ، بل حياته كلها ،  إذ أنه ولد فيها من أبوين ينتميان لهاته الطريقة ، فبقي وفيا لها إلى أن توفاه الله، بل واستطاع أن يبلغها إلى أبنائه الذين هم بدورهم يستقبلوننا اليوم حتى نتمكن من الإدلاء بهذه الشاهدة …………………………………………………

و إذ حرصت اليوم شخصيا لأكون معكم في هذه الأمسية / رغم كثرة الانشغالات و التعب/ ، فذلك لإظهار الأهمية التي يجب أن يحافظ عليها  كل منا تجاه الآخر، فشهادة كل واحد منا للأخر هي من الأهمية بمكان ،  إنْ لأنفسنا  في هذه الدنيا ، أو بعد أن نرحل عنها  في سفرنا الاخير، أي ما بعد الموت ، إنه سفر الرجوع الى الواحد الذي جاءت منه كل الاشياء و إليه تعود……………………………………….

في العالم الآخروي حيث هو الآن ، يرى عددا من النساء و الرجال  ممن عرف أو ممن لا يعرف ، يحضرون هذا الجمع ، يؤدون أذكارهم و يدلون  بكلماتهم تكريما له ، و وفاء لذكراه،  أعتقد أن هذه  اللحظات التي عشناها كما كان يعيشها هذا الرجل في حياته ، سينتفع بها لا محالة ، متمنياتنا لأولاده و عائلته الاستمرار على هذا النهج الذي كان يكنه في نفسه  و السهر على  تبليغه………………………………….

في هذا الطريق ، طريق التصوف، نتحدث كثيرا عن  (الولاية) غير أن التراجم الاجنبية  للأسف  ترجمتها بمعنى “القداسة” و في الحقيقة هذه  الترجمة ليست صحيحة ،  الفهم الحقيقي لمعنى الولاية هو الخُلة (الصداقة) فالولي هو الصديق ” الخليل” وليس المقدس و  ليس أعلى من البشر،  ولا يمتاز عن غيره ، فقط هو أقرب إلى الحقيقة ،    و أقرب إلى الله من غيره ، فهو في خصوصيته مع الله بالخلة ، فالعلاقة مع الله تحملك إلى الخلة ، و هذه الوِلاية (بكسر الواو) تصبح وَلاية  (بفتح الواو) (3)….

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

3) قال تعالى فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم اي صديق قريب، و الولاية بفتح الواو تعني النُصرة و بالكسر القيومية و السلطان و إذا اصطفى الحق سبحانه وتعالى عبدا من عباده لحضرته اكرمه بالوِلاية أي بالصدارة في الناس فإذا قربه و اتخذه خليلا أكرمه بالرعاية و النصرة و تلك هي الولاية بفتح الواو……………………………

 

إذن ففي سلوك هذا الطريق نحاول كل حسب طريقته ، الدنو من هذا المقام لتلقى المغفرة و البركة من الله ، وحتى نكون مقبولين لديه بخصوصية الخلة ، وهذا رجاؤنا كلنا ، هذا الطريق يعتمد أساسا على الخصوصية مع الله ، وعلى الخلة ، وكذلك على الصحبة ، و هذا يعني الأخوة ، إن هذا النهج يؤدي بنا إلى أن نربي أنفسنا لتقبل ما هي عليه ، و بالتالي قبول الآخر ، وهو يعلمنا كذلك كيف نلوم أنفسنا قبل لوم الآخرين ، و العمل على تصحيح عيوبنا بدل البحث عن عيوب الآخرين إنه طريق الاعتدال ، يعلمنا أن لا نحكم على أحد ، بل فهمه ، هذا الطريق يسلك بنا إلى التفكر و العمل لصالح أنفسنا و لصالح الآخرين …………………………………………………………………..

إذن هاته الخصوصية و الخلة الربانية لها ثمنها ، و ثمنها خدمة الآخر بكل تواضع ، و بدون سوء نية أو أنانية ، و أن تعطي دون انتظار المقابل ،إنه النهج الذي سلكه  مشايخنا ، و قليل أولائك الذين فهموا لماذا لا يزال هؤلاء الاولياء رغم مرور قرون و قرون على رحيلهم ، مكرمين مبجلين ، و محبوبين ومحترمين ، فهل هو عطر  سجلت الذاكرة شذاه ؟ نشم به عاشق هذه الخصوصية ، ذلك الذي يسعى للولاية الحقة ،  أي الخلة الربانية ، وهذا الذي لا يزال شذى عطره يفوح……………………………..

في عالمنا اليوم حيث القيم فقدت تأثيرها، و حيث الأشياء تعد ثانوية إن لم يكن لها قيمة مادية ، نواصل نحن، التفكير، و البحث ، و التعليم. ففوق المظاهر و المكتسبات المادية ، هناك مكتسبات نفيسة ، أعطت قيمة  للإنسان ، وخلقت فيه العبقرية الانسانية ، إنها المكتسبات اللامادية (الروحية) التي تصنع القيم ، و العمل دون طلب الشهرة ،      و الكفاف، و الزهد ، و الأخوة ، و المصالحة ، و عدم التعالي ، و قبول الغير…………………………………………………………………………………

إنها قيم تحرر أنفسنا من ربق ضيقها و تعتق أرواحنا ، من طوارئ   الزمن ، و الانتماءات القبلية و الدينية ، و الايحاءات المشروطة ، وكل ما يمكن أن يضعفنا أو يحبسنا داخل إطار ضيق ، إنها تدعونا إلى العمودية (1) ، بل و تمنحنا معناها، بينما العالم المادي الصِرْف لا يعرف إلا الاتجاه الأفقي (2) ، فما نربحه اليوم نخسره غدا،  وما يبكينا  اليوم ، يضحكنا غدا ، وهذ هو معنى الأفقية ، لا تنتهي امتحاناتها التي تتكرر باستمرار ، إلى أن يموت الانسان…………………………………………………….     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1) الاتجاه العمودي هو المنهج الذي يصعد بصاحبه نحو العلويات ، فالصاروخ مثلا لا يمكنه التحرر من جاذبية الارض إلا إذا انطلق انطلاقا عموديا ……………………………………………………………………………..

2)الاتجاه الافقي السير في مسار لا نهاية له و لا يوصل الى غاية و لا يصعد بصاحبه نحو العلو……………………

وفي المقابل تدعونا التربية ذات الاتجاه العمودي إلى  يقظة الضمير و إثرائه حتى بما يعترينا من العقابات ، و النظر إليها بكيفية مغايرة ، بل و النظر إلى الصراعات التي تواجهنا على أنها أمور إجابية ، فأي صراع  لا يتمخض منه إلا الأحسن وليس الأسوأ . اذا عرفنا كيف نعمل بهاته القيم ، قيم الرقي ، و الجود ، و العفاف ، فإننا نستطيع حينها ربح الكثير لأنفسنا ، ومن ثم مساعدة الآخرين ليحيوا حياة افضل معنا ….

 

لهذا فمتمنياتي لنا جميعا و بالخصوص لشبابنا أن تتمكن هاته الثقافة ، هاته التربية للسلام و بالسلام ، من الاستمرار إلى ما لا نهاية ، فتواصل تنقلها من جيل إلى جيل  لتساعد أهل اليوم و الغد على السواء في البحث عن الولاية ، البحث عن تلك الخلة الربانية ……………………………………………………………………………..

 

أما فيما يخصنا نحن ، فإن كنا لم نصل إلى هذا المقام، أي مقام الولي ، فإننا بالتأكيد قد التقينا في حياتنا بمن كان كذلك ، وعليه فأصدقاء الصديق لا يمكن ان يكونوا إلا أصدقاء ،إذن  فسيدي مصطفى رحمه الله ، قد نال حضه من هاته الولاية ، لأنه التقى بمن كانوا أولياء ، و لا شك في أنهم أهل الله و خاصته………………………………..

شكرا لكم جميعا على  حضوركم القوي ، وشكرا لأبنائه و عائلته الذين شرفوا فقيدهم ، و سمحوا لنا بالشهادة على هاته الخلة التي تربطنا جميعا في هذا العالم الدنيوي  و في العالم الأخروي ، حفظكم الله ورعاكم ، وبلغوا سلامي إلى كل فرد من أفراد عائلاتكم  و إلى لقاء قريب إن شاء الله. شكرا جزيلا لكم جميعا………………………

الشيخ خالد بن تونس

المناسبة : أربعينية الحاج مصطفى بوجميل رحمه الله

بروكسل 26 جانفي 2019

نقلها إلى العربية غنو العربي

Cérémonie du 40e jour du décès de Si Mustapha Boudjemil à Bruxelles (Belgique)

Gepostet von Cheikh Khaled Bentounes am Samstag, 26. Januar 2019

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.